الجصاص

227

أحكام القرآن

حدثنا أبو داود قال : حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقبله " . وقوله : " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا " هو على الافتراق بالقول ، ألا ترى أنه قال : " ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله " ؟ وهذا هو افتراق الأبدان بعد الافتراق بالقول وصحة وقوع العقد به ، والاستقالة هو مسألته الإقالة ، وهذا يدل من وجهين على نفي الخيار بعد وقوع العقد ، أحدهما : أنه لو كان له خيار المجلس لما احتاج إلى أن يسأله الإقالة بل كان هو يفسخه بحق الخيار الذي له فيه ، والثاني : أن الإقالة لا تكون إلا بعد صحة العقد وحصول ملك كل واحد منهما فيما عقد عليه من قبل صاحبه ، فهذا أيضا يدل على نفي الخيار وصحة البيع . وقوله : " ولا يحل له أن يفارقه " يدل على أنه مندوب إلى إقالته إذا سأله إياها ما داما في المجلس مكروه له أن لا يجيبه إليها ، وأن حكمه في ذلك بعد الافتراق مخالف له إذا لم يفارقه في أنه لا يكره له ترك إجابته إلى الإقالة بعد الفرقة ويكره له قبلها . ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا علي بن أحمد الأزدي قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة قال : حدثنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان لا بيع بينهما إلا أن يفترقا إلا بيع الخيار " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا معاذ بن المثنى قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسلمي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل بيعين لا بيع بينهما حتى يفترقا " ، فأخبر عليه السلام أن كل بيعين لا بيع بينهما إلا بعد الافتراق ، وهذا يدل على أنه أراد بنفيه البيع بينهما في حال السوم ، وذلك لأنهما لو كانا قد تبايعا لم ينف النبي صلى الله عليه وسلم تبايعهما مع صحة العقد ووقوعه فيما بينهما ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي ما قد أثبت ، فعلمنا أن المراد المتساومان اللذان قد قصدا إلى التبايع وأوجب البائع البيع للمشتري وقصد المشتري إلى شرائه منه بأن قال له " بعني " فنفى أن يكون بينهما بيع حتى يفترقا بالقول والقبول ، إذ لم يكن قوله " بعني " قبولا للعقد ولا من ألفاظ البيع وإنما هو أمر به ، فإذا قال " قد قبلت " وقع البيع ، فهذا هو الافتراق الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم على القول الذي قدمنا ذكر نظائره في إطلاق ذلك في اللسان . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم عن نفيه البيع حال إيقاع البيع بالإيجاب والقبول ؟ وإنما نفى أن يكون بينهما بيع لما لهما فيه من خيار المجلس . قيل له : هذا غلط ، من قبل أن ثبوت الخيار لا يوجب نفي اسم البيع عنه ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت بينهما البيع إذا شرطا فيه الخيار بعد الافتراق ولم يكن ثبوت الخيار فيه